21 mars 2009 6 21 /03 /mars /2009 21:04

لا ينبعث سؤال الأصالة إلا في جوف الثقافات والمجتمعات المكتنزة بالخبرة الحضارية والذاهبة بعيدا في الاستلذاذ بالنفس والمواريث إلى حدود النرجسية وهو ما لا يتوفر لمجتمعات وثقافات عديمة التراكم. لكن الذي حدث في الثقافة العربية - كما يقرر عبد الإله بلقزيز في كتابه الأخير (العرب والحداثة دراسات في مقالات الحداثيين أن الثقافة العربية الإسلامية اتجهت في وقت مبكر إلى تأسيس مقالة في الأصالة وإلى إبداء شديد التحسس من كل الأفكار المحمولة على مراكب العقل.

من هذا المنطلق يحاول المؤلف أن يتقصى أسباب نزول مقالة الأصالة في التاريخ الثقافي العربي، وما تعرضت له من خروج عن دعواها الأصلية حيث كان بإمكانها أن تؤدي وظيفتها المتمثلة في الممانعة الإيجابية دون تغريم المجتمع والثقافة بغرامة الإنكماش والانكفاء والتشرنق على الذات.

لقد بدأ القرن التاسع عشر والذي شهد اتصال العرب والمسلمين بتاريخ غيرهم وبقيم وأفكار ومنظومات غير معهودة لديهم وجاءت النخب في تلك الفترة وقبلت بالتحدي والبحث في الحداثة الأوربية عما أسس لها، ووجدت في تلك الحضارة إجابات عن سبب الإخفاق النهضوي العربي وظهرت تحليلات جديدة في الثقافة مثل الحديث انسداد باب العقل والإغراق في ثقافة الحواشي والمختصرات وتوقف العمل والاجتهاد وكانت تلك لحظة تاريخية أمكن فيها إعادة إنتاج مفهوم الأصالة لا بوصفه يرد إلى منظومة مرجعية بل بوصفه يستعين بالجديد في إعادة بناء نفسه، لكن لم يقيض لهذه اللحظة التنويرية أن تستمر لفترات أطول بل أتت عليها معارك الطوارئ السياسية والاحتلال وحدثت النكسة الثقافية الكبرى حين عاد مفهوم الأصالة بصورة دفاعية وأصبحت فكرة التغيير مدخلا لمواقف متحصنة خلف متراس الأصالة للمقاومة إنما كانت هذه المرة كأيديولوجيا.

ومن الثلاثينات في القرن العشرين انطلق التأسيس الفكري للأصالة بوصفها أيديولوجيا وانتقل العقل العربي من اليقظة إلى الصحوة التي تجنح بالكامل إلى الماضي وتبحث فيه عن فكر وملاذ على خلاف اليقظة التي كانت سعيا للبحث عن أفق مصالحة للإسلام مع العصر وإطلاق سلطان العقل، وهو ما أوجد مقالتين جديدتين في فكر النهضة الأولى تتطلع إلى بناء حضاري وانتماء إلى حركة التقدم، بينما ارتبطت الثانية بلحظة الانكسار، فطبع فكر الأولى إقدام ومراجعة، وطبع فكر الثانية إدبار وممانعة.

وهو ما جعل الوصف الأبرز لدى الكتاب لخطاب الأصالة بالإيديولوجيا أكثر من وصفه بكونه فكراً، بسبب أن معطيات ذلك الخطاب لم تتأسس على نسقية معرفية بل كانت أكثر مواقفه دفاعية وداعية إلى نوع من التحزب الذهني، وبالتالي اشتملت إيديولوجيا الأصالة على العدد من الثغرات والمفارقات، ومن أبرز مفارقاتها: غياب التاريخية في فهمهما للأصالة، واختراع معنى أصولي للأصالة، وتمذهب مفهوم الأصالة ومعاداته للتقدم والتغيير الاجتماعي والثقافي.

أمام كل ذلك يأتي السؤال الذي يواجه الكتاب: إذن متى نشأت الحداثة وكيف استطاعت أن توجد لنفسها خطابا وسط سيطرة إيديولوجيا الأصالة، وإلى أي درجة كانت خطاب الحداثة حرا ومتخلصا من كل العيوب السابقة.

لقد نشأت الحداثة العربية في ركاب زحف سياسي وعسكري أوروبي وهذا يقدم كثيرا من المبررات للطعن في حقيقيتها فهي لم تنشأ ناتج ثورة ثقافية داخل الثقافة نفسها، ولكن مثل هذه العيوب لا تخلو منها حركات الحداثة في كل العالم وبالتالي فلا ضير أن تنشأ الحداثة العربية في امتداد تأثيرات ثقافية وافدة من الخارج شأنها شأن الصين والهند وتركيا وغيرها من الثقافات.

نشأ خطاب حداثي في الثقافة العربية كان له ما يبرره في الواقع الثقافي والاجتماعي حمل معه أفكارا عن النهضة والتقدم لم تكن مستقاة من تاريخ ثقافي واجتماعي عربي وإسلامي، وظهر في هذا خطابان أولها حاد وجامح تجاهر صراحة بموقفها العلماني ونقدها للدين (بطرس البستاني، أديب إسحاق، سلامة موسى، أحمد لطفي السيد...) وثانيها متوازن في مسألة عدم التوجه الكامل لاستبدال المرجعية الإسلامية بالغربية، مع ضرورة السعي إلى ذات التقدم الذي تعيشه الثقافة الغربية، ويجمع بين هذين المفهومين عامل مشترك وهو الانتصار للحديث.

أمام ذلك ومنذ مطالع القرن العشرين شهد خطاب الحداثة بمختلف مكوناته بسبب نتائج الحرب العالمية الأولى التي أنهت حلم الاستقلال بمشرق عربي موحد، وهو ما أنتج تراجعا واضحا لفكر النهضة لدى مثقفين نهضويين انسحبوا إلى فكر الأصالة وإلى إيديولوجيتها (محمد رشيد رضا، رفاعة الطهطاوي، علي عبد الرازق..) ثم في مطالع عقد الخمسينات حدثت نكسة أخرى حين انتقل الوعي العربي من فكر النهضة إلى إشكالية الثورة حين صعدت النخب القومية للسلطة وكانت كل نكسة تلتزم ظهور مواقف دفاعية تعيد خطاب الحداثة إلى الوراء، وتستبدل مطالباته النهضوية والتقدمية.

يقوم الجانب الأبرز في هذه القضية على فهم العلاقة مع الآخر، من خلال فهمه أولا، ولقد تشكل الآخر في الوعي العربي المعاصر بدءاً من الانبهار الذي رافق الرحالة القدامى والذين كانوا أقل شعورا بالدونية من رحالة القرن التاسع عشر، والذين شكلوا صورة عن الآخر من خلال زيارته كانوا أكثر معاينة وإنصافا وتبديا للصورة النمطية ممن سمعوا به أو قرأوا عنه أو ورثوا مواقفهم، ويقابل هذا الوعي العيني وعي ذاتي حيث تتعرف الأنا على نفسها في حركة وعيها بالآخر على عدة أبعاد هي: الوعي بالاختلاف ووعي صلات التشابه، والشعور بالتفوق أو الشعور بالنقص، لتولد جدلية الأنا والآخر الضمنية التي تؤسس كل طرف من أطراف العلاقة عبر: الآخر المتعدد أو جدلية المدنية والسيطرة، والأنا المنقسمة على نفسها أو جدلية النهضة والتأخر.

ينطلق عبد الإله بلقزيز من ذلك التقعيد الطويل لتناول نشوء وتطور مفهوم الحداثة وحركيته الذي انتقل إلى المجال التداولي حديثا والتي طرقت أبوابنا أولا من مدخل أدبي وفني كما يشهد على ذلك مسرح توفيق الحكيم وروايات نجيب محفوظ وشعر نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وموسيقا المدرسة الرحبانية وسينما صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وهذا يدلل على أن الحداثة لم تولد معزولة ولا لأفصحت عن نفسها من خلال حجب وإنما جاءت من خلال جمهور ومؤيدين ومتلقين، وخارج الفضاء الأدبي نشأت الحداثة في رحاب فكر وإنتاج تنظيري (طه حسين، عبد الرحمن بدوي، جمال حمدان، حسين مروة، صادق جلال الدين العظم،...) وتلك الأسماء على المستوى الأدبي أو الثقافي تدل كلها على أن الحداثة في الثقافة العربية وعت بنفسها قبل ما لا يقل عن ثلاثة أرباع القرن ومع ذلك لا يزال سؤالها قائما، ولا تزال معادلة تفوق دورها الأدبي على الفكري قائمة، إذ ازدهر الأول وخفت الثاني نظرا لسطوة التقليد في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية إضافة إلى أزمة الدولة الوطنية الحديثة. ورغم الحركة الطويلة والمتعددة لمفهوم الحداثة إلا أنه لم يكن يعني معناه الأصلي في الفكر الغربي الحديث الذي ارتبط بالعقلانية الفلسفية.

لقد شهد القرن التاسع عشر ولادة الرؤية الحداثية في العالم العربي ولكنه هو ذات الوقت الذي أخذت تتبلور فيه مقالة إيديولوجية دينية مناهضة للفكرة نفسها وأخذت عنفوانها لا كما هي عليه في الفكر الغربي بالطبع بين مطلع الخمسينات ومنتصف السبعينات أثناء عنفوان اليسار والقومية.

لكن حصيلة كل تلك الحركية يمكن أن تتركز في البحث عن معنى المعاصرة الذي حمله ذلك الفكر وسط التباس كبير وهو إسقاط الزمن المادي الموضوعي، وشهد ذلك التفاوت ولادة عقلانيات عربية تدور من العقلانية الإصلاحية الإسلامية (محمد عبده، علال الفاسي، خير الدين التونسي...) وعقلانية ليبرالية أو حداثية (طه حسين، سلامة موسى، والتي دافعن عن نفسها وسط ظروف صعبة ونابذة لها، وعقلانية نقدية (حسن حنفي، فهمي جدعان، هشام جعيط، إدوراد سعيد...) وقد اشتركوا رغم تفاوتهم في تقديم أفكار التنوير وبتوظيفات مختلفة لمفهومه.

يشير المؤلف هنا إلى جانب من الأزمة وذلك عندما ارتبط مفهوم التنوير ومفهوم العقلانية بالتيار الليبرالي والعلماني وهو ما أوقعه في كثير من المواجهة مع أن الإصلاحيين الإسلاميين كانوا يقومون بذات الدور ويحملون ذات التوجه والهدف التنويري، وهي حركية أوجدت الحصيلة التالية: عقلانية إسلامية مجهضة بفعل انهيار المشروع السياسي الإصلاحي الذي بدأه محمد علي وإبراهيم باشا وعقلانية حداثية آفلة مشكلتها أنها انشغلت بخطاب أقرب إلى التبشير وقدمت تنازلات فكرية.

 

يقرأ الكتاب نماذج ومقالات في الحداثة والتنوير أول ما يلحظ فيها غياب ما يمكن تسميته بالتمثيل الثقافي لكل الحركة التنويرية التي تناولها في تقعيده السابق، وقد خرج من استيفاء الشواهد وفق المراحل إلى استيفائها وفق موضوعات تلك الخطابات، وهو التقسيم الذي ينطلق منه الكتاب أول الأمر، فتناول المؤلف مفاهيم الليبرالية السياسية عند أحمد لطفي السيد الذي دارت الحرية لديه حول انحياز للمنظومة الفكرية الأوربية منطلقا من أن ما يبررها هو مبدأ الحرية والاستبداد السائد وهو ما دفع به لأن تأخذ الحرية في نظره بعدا سياسيا بالإضافة إلى البعد المدني. وكنموذج ثان تناول الكتاب حالة التأصيل المدني عند علي عبد الرازق الذي انشغل بمسألة إقامة الصلة بين السياسي والديني في الإسلام وكرس لذلك كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي دارت تناولاته حول تأصيل الخلافة وشرعية القوة والحكومة السياسية، ويتوقف المؤلف عند ما يسميه شبهة السياسة وتناقضات الخطاب في تأصيلات علي عبد الرازق إذ يعد المشروع النبوي مشروع ديني فيما تعد السياسة شأنا عاما.

يخصص المؤلف فصلا لتناول تجربة ورؤية طه حسين الحداثية تحت عنوان: طه حسين.. المثال الأوروبي، التعليم الديمقراطية، إذ يرى المؤلف أن أبرز معطيات خطاب طه حسين تتمثل في الآتي: نقد الشرق ومديح الغرب، ونصاب المدنية اقتداء ومثال وثالثها تهدئة الممانعة وتركيزه على الأساس التربوي للحداثة.

أبرز ما يمكن التوقف لديه في خطاب طه حسين - بحسب المؤلف - إيمانه بأن الحداثة لا تصبح ثقافة عامة وواقعا شاملا إلا إذا تشربها المجتمع برمته عبر التعليم

الرياض - يحيى الأمير:


Partager cet article

Published by Dr.belkziz
commenter cet article

commentaires

Profil

  • Dr.Belkeziz
  • Holder of the State’s Doctorate Degree in Philosophy from Mohammad V University in Rabat, Belkeziz is the Secretary General of the Moroccan Arab Forum in Rabat. He has previously worked as head of the Studies Department at the Beirut-based Arab Uni
  • Holder of the State’s Doctorate Degree in Philosophy from Mohammad V University in Rabat, Belkeziz is the Secretary General of the Moroccan Arab Forum in Rabat. He has previously worked as head of the Studies Department at the Beirut-based Arab Uni

Texte Libre


Recherche

Partager cette page Facebook Twitter Google+ Pinterest
Suivre ce blog